المعرض المصري للكتاب

جامعات وجوامع

LE 64.00 LE 80.00
وصلت الكمية القصوى المتاحة.

 كتاب جامعات وجوامعللكاتب  عمار علي حسن
عدد الصفحات: 216 مقاس الكتاب: 17*24
يعدُّ التعليم أداة المجتمع الناجعة واللينة والطيعة لخلق أفراد أسوياء، قادرين على تحقيق الأمن للمجتمع بمعناه العميق والشامل، وتمثيل ثقافته، والمحافظة عليها وتطويرها، وذلك بما يمتلكه التعليم من آليات تمد النشء بالقدرة على الإبداع، والابتكار، والحوار، والتخطيط للمستقبل، وشغل أوقات الفراغ، والتعايش، والتسامح، وقبول الآخر، وتحمل المسؤولية، وتوافر الالتزام بالواجب حيال الجماعة، إلى جانب أنه وسيلة لرفد برامج التنمية بأشخاص مؤهلين لتنفيذها، والنهوض بها.
لهذا فإن رفعنا شعار "التعليم أولًا" ونحن نخطط لمستقبل بلادنا، فيكون ما فعلناه ليست فيه مبالغة ولا مجازفة ولا انحراف عن المطلوب، ولا تجاوز في ترتيب سُلَّم الأولويات، مثلما يتراءى لبعض من بأيديهم مقاليد الأمور، أو سلطة اتخاذ القرار، ممن يتصورون أن قضية التعليم يمكن إرجاؤها، وأن المباني يجب أن تتقدم على المعاني، وأن ما كل ما يجب أن يشغل الناس هو ما يملأ بطونهم، ويكسو أجسادهم، ويداوي أسقامهم، ويرفه عن أنفسهم المكدودة، إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
ومن بين هؤلاء النازعين إلى الاستبداد، بلا حد، ممن تدرك دخائلهم أن الالتفات إلى إصلاح التعليم ضرورة لنهضة المجتمع، لكنهم ربما يفضلون أن يظل وعي محكوميهم عند الحد الأدنى حتى تسلس قيادتهم، وتسهل السيطرة عليهم، إما بتقليص مطالبهم الحياتية إلى حد الكفاف، أو حجب أنظارهم عما يجري في بلدان أخرى حولهم، ويمكن أن يثير غيرتهم أو حفيظتهم، وينبههم إلى القبح الذي يلطخ واقعهم، والأغلال التي يرسفون فيها، فيغضبون راغبين في تحسين شروط حياتهم.
وهذه نظرة خاطئة وقاصرة في آن، فمن يعرف ويعي سيمثل أهم عناصر الإنتاج، إن قسنا الأمور بمقاييس مادية بحتة، وهو أمر خاطئ على أي حال. فالبشر هم عماد التنمية الأساسي، ومقصدها النهائي، ومن يعرف يسهل جذبه إلى الأهداف والخطط الوطنية الكبرى والراسخة، إن توافرت، وسعى واضعوها إلى بناء دولة عفية قوية مكتفية فاعلة في محيطها، ولها دور ملموس في العالم أجمع.
ومن يؤمنون بأن المداميك الأولى في أي بناء لمجتمع عصري هي التعليم، لديهم كل الحق فيما يعتقدونه، ودومًا لديهم ما يستشهدون به ليبرهنوا على صواب رؤيتهم. فما إن يأتي حصيف منهم على ذكر قضية التعليم إلا ويروي على مسامعنا عدة وقائع أو تجارب، ممتدة عبر الزمن والحضارات والثقافات والظروف، تؤكد، بما لا يدع مجالًا لشك فيه أنه لا أمل في تقدم أو نهضة بينما مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ترزح تحت نير مناهج تعليمية متخلفة، يلقنها للدارسين معلمون لم يحصلوا من العلم والمعرفة إلا نزرًا يسيرًا، يستعملونه في كسب أقواتهم، وترقي درجاتهم الوظيفية، متخففين مما في عنق المعلم من رسالة سامية.
والحكاية، بل التجربة، الأولى، الأكثر ذكرًا هي للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) الذي وعى ما طالبته به أول آية في القرآن الكريم: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، فقرر عقب معركة بدر التي فُرض على أتباعه خوضها، أن يقوم كل أسير بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، كشرط لتحريره، وكان يقول: "خيركم من تعلَّم العلم وعلمه" و"العلماء ورثة الأنبياء".
وهناك من تروق له طريقة الفيلسوف الإغريقي العظيم سقراط، وهو يمضي بين الناس في الأسواق ليعلمهم الحكمة، مؤمنًا أن حيازة شباب أثينا لها ستجعلهم أقوى رسوخًا، وأمضى عزمًا، وأكثر قدرة على البقاء من خصومهم في أسبرطة، التي لم تكن منشغلة سوى بإعداد محاربين، لم يلبث انتصارهم السريع المؤقت العابر أن ذهب مع الزمن، وبقيت حكمة فلاسفة أثينا، يطلع عليها الناس ويستفيدون منها إلى أيامنا هذه.
وفي العصر الحديث قدم الزعيم الفرنسي شارل ديجول درسًا بليغًا حين سأل عقب إبلاغه بأن الألمان قد دمروا بلاده وتركوها خرابًا: ما حال الجامعة والقضاء؟ فلما أجابوه: بخير، وقف وقال في ثقة: إذًا سنكون قادرين على إعادة بناء فرنسا. ومثله سأل مهاتير محمد حين تولى الحكم: أليس في ماليزيا ألف مهندس بارع؟ قالوا: بلى، فقال في ثقة أشد: بهم سأبني بلادي.
وهناك تجربة الاقتصادي البنجالي العظيم محمد يونس، حائز جائزة نوبل، الذي سعى إلى توظيف علمه كونه أستاذًا جامعيًّا في خدمة ناس بلاده، الذين كانوا يتضورون جوعًا، فأنشأ "بنك الفقراء"، وهنا قال: "في عام 1974 بدأت أرهب إلقاء محاضراتي على الطلاب، فما جدوى النظريات الاقتصادية المعقدة التي أقوم بتدريسها في الوقت الذي تقضي فيه المجاعة على الناس فوق الأرصفة والطرقات التي تجاور قاعة محاضراتي".
وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين أنشد:
"بالعلم والمال، يبني الناس ملكهمُ
لم يُبْن مُلْكٌ على جهلٍ وإقلالِ".

يمكنك التواصل مع خدمة العملاء من خلال الايميل أو الشات
شحن سريع. نصلك أينما كنت حتى باب منزلك أو عملك
الدفع بأمان خلال بوابة مشفرة, أو الدفع عند الاستلام
بحث متقدم. لسهولة العثور على الكتب